تزوج عمّي فانوس خالتي وديدة.
مع أنه كان يموت حباً في خالتي سارة، أختها الصغرى.
النظرة الوامقة في عينيه لا أنساها، حتى النهاية، مع زواجه بأختها.
وفاؤه لها وفاء مطلقاً، ومع أنه خلّف منها ثلاثة أولاد، وأربع بنات يظل يرمق سارة بالنظرة العاشقة نفسها. حتى يموت.
وجهه الأبيض المرهف العظام، مربًّعاً قليلاً ومُرفّهاً، ابن عزّ كان. عيناه بهما الحول الخفيف من أثر رمد قديم، سوادهما عميق، غطيس، حتى يلمع دائماً بالرقة. هكذا عرفته. شعره المسرح الناعم محلوق بعناية دائماً، تحت الطاقية النظيفة المكوية، تحت الطربوش في المناسبات، جلابيته البلدي الصوف الغالية في الشتاء، بوبلين أبيض في الصيف، لا تعلق به اشائبة صيفاً ولا شتاء.
فهمت من ستي أماليا، في كلام مهموس لخالتي روزه وخالتي سالومة، لم يكن مقصوداً أن أسمعه، أن عمّي فانوس فاتح ساويرس بما كان يعرفه جدي، وما كنا نعرفه، إنه يريد خالتي سارة.
وأن جدي ساويرس قال له بدون غضب، بل بفهم تقريباً لما كان يعذّب قلبه، ما كنا جميعاً نتوقعه، وكان عمّي فانوس أول من يتوقعه. إن سارة هي الصغيرة - كما نعرف كلنا- هل يرضى أن تعنّس الكبيرة. وعلى العموم، قال، أختها تحت أمرك في أي وقت، من أحقّ بها من ابن عمّها يداري لحم بنت عمّه؟
وافق عمّي فانوس دون لحظة تردد.
هل كان في صميم نفسه قد أعدّ نفسه لهذا المآل؟
هل كان في صميم نفسه يخشى على حبّه أن يزول - شأن الحب عادة.
هل كان حقاً يريد أن يهزم هذا الحبّ بنفسه، حتى يبقى أبداً؟
بقى حياً، الحب.
هل قتلتُ هوى نفسي، وعشتُ بلا نفسٍ؟ أم أنّ في قتل نفسٍ حياتها؟
ياه.. يا عمّي فانوس. كيف استطعت أن تضحّي حياتك كلّها، لتكسبها.
كيف استطعت أن تدفن آلام الحب الذي لا يطاق؟ وأين ذهبت هذه التمزيقات التي شرّحتْ نفسك شرائح وفِلَذاً، دمها مكتوم دائماً، لا يباح به؟ ولا يُباح؟
مراقٌ بلا توقف في الداخل، دون أن تراه عين؟ هل راحت هدراً، هذه الآلام والتمزيقات، دون أدنى معنى؟
كما لو أن من الضروري أن يكون للألم معنى، أي معنى.
يا لوعتي، يا ضنايّ.
أما من نهاية - بقى - لهذه الولولة وندب سوء الحال؟
أين ذهبت هذه الآلام التي لا تُحتمل، آلام الطفل الصبي آلام الكهل؟
لا قيمة لها.
ليس للألم مكافأة.
#إدوار_الخراط
من رواية #حجارة_بوبيللو