الثلاثاء، 18 مارس 2025

قصيدة الرحلة - عبد الرحيم منصور

بسافر بسافر... بهاجر بهاجر 

إمتى حاتلقى المحطة وترسى يا حاير؟

 مُرّ السؤال ع اللى مالوش عالسكة آخر

 من مصغري لمكبري مسافر

 بأغوى مشاوير الهوى والدنيا

والقطر واخدك فين؟

 القطر واخدني بلا محطة 

وآه يابا آه يابا يابا عليّا

 لا دار ولا مرسى ولا صبية

 وادينى ماشي فى رحلة الشقا والرزق والترحال

كأني سؤال

 يا هل ترى يا مطرحي الجديد

 يد القدر بتخبي إيه من بعيد؟

كما طفل وأنت العيد

 بأحن إليك قولي وطمني

 حلاقى رزقي ولقمتي الهنية ولا نهايتى فيك!

#عبد_الرحيم_منصور 


السبت، 15 مارس 2025

لا نجاة في الليل


من منا لم يؤذه العالم؟ ونحن نتحمّل، بالطبع.

ومع ذلك فلم تأتِ إلى نجدتك، في الليل، كل شجاعتك، كل صراحة أخذك النفس بالقوة، كل التزامك - كبنت مدارس صغيرة مجتهدة - بالواجبات، وأكثر.. كل إصرارك على الهجوم، كل التفتح الذي تقابلين به الآخرين، كل الكرم الذي تسفحين به نفسك للآخرين، كل هذا الجهد المستميت في استجلاب الحب والقبول، كل هذا البحث الذي لا يتوقف أبداً عن العطاء والبذل، عطاء كل شيء، حتى الآخِر، هذا البحث الذي لا تستطيعين مقاومته، يحفزك ويدفعك باستمرار باستمرار، نوعاً من جنون الرغبة في الطمأنينة والأمان، في الانتماء، في الإرضاء والاسترضاء، في أنك مطلوبة ومحبوبة، طفلة تبحث عن عمود الأمن والخلاص، التقت في بحثها بالغيلان والمسوخ ووجدت أوراق حلمها الخضراء قد سقطت ذابلة عند هبوب كل ريح.

#إدوار_الخراط من رواية #رامة_والتنين

السبت، 22 فبراير 2025

الشبابيك في سهرها الأخير

تعالي قاسميني ما تبقّى

كما يتقاسم الأمواجَ غرقى

بأشجى ما به يَبكي نحاسٌ ويُبكي

آخر الأجراسِ دقّا

ستحملنا الجهاتُ على يديها
لتنفضنا غدًا غربًا وشرقا

سيُخرجنا من الوقتِ التخلي

ليهدرَنا مع التوقيتِ فرقا

غدًا سيكوننا شجرٌ تناءى وراء الوهمِ 

بالنسيانِ يُسقى

فيا من كنتِ

مما كنتُ أعلى

ويا من كنتِ 

مما كنتُ أنقى

لموّال البدايةِ أرجعيني

فوجهكِ كان في الموالِ طلقا

هناكَ وأنتِ في تشرينَ 

وهمٌ تواضعَ مرتين

فصارَ حقّا


لأولِ وهلةٍ 
- وأنا اشتباهٌ توسّم في دمشقيٍ دمشقا-

ظننتكِ فكرتي

وشككتُ أني سهرتُ عليكِ تكوينًا وخلقا

هناكَ

وأنتِ تقترحين موتًا وجوديًا عليّ

وليسَ عشقا

هناكَ 

جلستُ للوثنيّ مني

وفاوضتُ الحجارةَ كي ترقّا

ومن حرّيتي حررتُ نفسي

كصقرٍ لم يعد يحتاجُ أفقا

فيا بنتَ الجبالِ السبعِ

إني سألقى في غيابكِ ما سألقى

خروجي منكِ

سوف يكونُ جرحًا يريدكِ

ما أرادَ الجرحُ عمقا

غدًا سأكونُ كالتابوتِ قلبًا

وكالبالي من الراياتِ خفقا

كآلهةِ الخرافيين سمعًا

ككل الماورائياتِ نُطقا

كما قبل البكاءِ أسىً

وتيهًا كما بعد القصيدةِ حين تُلقى

فيا سلمى التي لا شكَّ فيها

وغيرُكِ يستوي

كذبًا وصدقا

أنا بكِ في المجانين القدامى

بأولِ ما تيسّرَ منكِ أُرقى

عديني أن سنلمع في حياةٍ موازيةٍ لنكمل ما تبقى

هنالكَ حيثُ تمنحني الأعالي سلالمَ

كي إلى عينيكِ أرقى

وحيثُ أقول في الأبديِّ

إني أحبكِ سورةً نزلت لتبقى

وأما الآن والأرواحُ نقصٌ

وليست عروةِ الأيام وثقى

فللخطواتِ أن تمتدّ باسمي

وتسبقَ أول الطرقات شقّا

ستأخذكِ الرياحُ الآن مني

ويا كم يأخذ الأقسى
الأرقّا

ولكني وعدتُ 

بأن أوالي زيارةَ قصركِ الليليّ برقا

له أن يغلقَ الأبواب دوني

ولي أن أوجعَ الأبوابَ طرقا

#الشبابيك_في_سهرها_الأخير
#محمد_عبد_الباري من ديوانه الأخير #لم_يعد_أزرقا

الأحد، 19 يناير 2025

زهرة الصبّار الحمراء تحت شمس العيون الدفينة


   وكان يقول لنفسه: أمقت المرض، والألم، ولا أعرف كيف أقبله ولا كيف أتعامل معه. كأنَّ أحبَّاءه يخذلونه أو يخونونه، فعلاً، عندما يمرضون أو يتألمون، وعلى كل رِفق قلبه بالخوف عليهم، والحَدْي والتَّوجع، يبدو صلباً جامداً وفي كلامه لا مبالاة أو حتى برود، الجفاء الذي يردُّ به على فزعه وضعفه أمام الخطر عندما لا يعرف كيف يُلاقيه، إلا أن يجري إلى الأمام، أو يجري إلى الخلف، يحتضن المرض والألم بجسمه هو، أو ينفيه عن نفسه، ويلغيه. 

   عندما نزل، بعد انصراف الطبيبة على الفور، كان سعيداً بمعنى ما لأنه وجد شيئاً ما يعمله لها في مرضها، بعد طول الحيرة واللدد. كانت القاهرة في شم النسيم خاوية ومغلقة، وكان بحثه عن صيدلية مفتوحة مغامرة غير محسوبة، حتى وصل إلى الإسعاف لكنها أيضا كانت مغلقة. واكتشف، مع سائق التاكسي، صيدلية مجهولة صغيرة في حارة من بولاق، وعاد بعد أن دفع للتاكسي بسخاء، وقال له الرجل: "بالسلامة إن شاء اللّٰه، كل سنة وأنتم طيبين"، وفكر أن حظه كان لا يُصدَّق أنه وجد التاكسي أصلاً وأنه وافق على عملية البحث معه عن صيدلية مفتوحة في فراغ القاهرة هذا الصباح الغائم بتراب الخماسين الخفيف. وعندما سمعها، بعد ذلك، تردُّ على سلوى بالتليفون، وتقول لها: "أشكرك يا حبيبتي، لا يانور عيني، أبداً، أنا أحسن الآن بكثير، لم تكن تنقصني الرفقة ولا العناية .." وهى لا تنظر إليه، ويعرف أنها تتجه إليه وحده بهذه الكلمات، أحس نفسه، أخيراً، له فائدة، أكثر بكثير من لحظةِ عودته، عندما قالت له: "مدهش، لا أعرف كيف جئتَ بالدواء اليوم، لم أكن أصدق أنك ستحصل على شئ".. ولكنها قالت له، فيما بعد: "لا أدري. كان عندي شعور بأنك غير مهتم بي، حقاً. كانت كلماتك تأتيني غريبة وليس فيها إحساس". وكان يعرف أنها على حق. في الأزمة لم يكن يعرف أن يتكلم، وإذا تكلم جاءت كلماته بعيدة لا صلة له بها، اكتفى بأن قال: "لا أعرف أحيانا أن أنقل ما أحس به"، فقالت مُنكِرة: "أنت؟ غريبة" فأحس مرةً أخرى قبضة الذكرى، والحزن، والحس بالخذلان من صباه. كيف يمكن أن يُصحح القلبُ خياناتِه القديمة؟ وكيف يعترف؟ آثام القلب لايُبرئها شىء، ولا الاعتراف، عليك أن تقبلها - أو ترفضها - ولكن تَحْمِلُ ثقلّها الرازح، وتعرف كيف تحمله. فأحاط كتفيها بذراعيه، فقط، وكان وجهها العذب الأسيل فيه جراحات دفينة خفيّة، قريباً جدا من وجهه، ضمّها إلى صدره أكثر قليلاً، فقط، وقام فجأة وخرج مسرعا من الغرفة، ليتمالك نفسه.

   يا حبيبتي، لا، لست أُصر أبداً على أن أراك قوةّ كونية، حتى إن كان فيكِ هذا الإدماء بالخلود، بالانفصال عن الزمن، ونضارة الفينيقة الأبدية.

    دعيني أفصح تماما، بقدر ما استطيع. أتهجّاها حرفاً حرفاً، كما يقال.

   لا، لست أُحب وهماً من صنع خيالي، ولا أنا أصغو إليكِ كما أصغو إلى "مطلقٍ" ما أُقيمه لنفسي من تصوراتي "المثقفة" ولا شيئاً في هذا السياق كله. بل أحبكِ، أنتِ، امرأةٌ غنيةٌ بأنوثتها الحية، الحسية، وكبيرة القلب، وجريئة ومُحبة وتعرف كيف تفكر وجميلة، وتعيش في هذا الواقع الأرضى الذي نعرفه كلانا، بأصفاده وفروضه علينا، وبإمكانات الحرية فيه أيضا، أحبك بما فيكِ من ضعف وحاجة، ويزيد ضعفك من حبي لك، طبعاً، وكما هو ضروري، وبما فيك من قوة وعزم وجسارة أيضا. أما تلك القوة الكونية، أو شيءٌ ما يشبهها، أو يفوقها، فهو شئ ما عندك يستثير مُقّابِله عندي، قوة حبى لك. ولست أعرف ما هو هذا الشيء. المطلق ينادي المطلق إذن، وما يجاوز الانساني يستدعى نظيرَه، عاشقٌ أنا أعرف مَنْ أعشق ولا عِلم لي به. أفيض بالعشق إلى ما لا حدود. هكذا أحسه، ماذا أفعل؟ ليس هذا مجرد طاقة محبوسة تفجرت وفرغت، وليست هذه مرحلةً ما منقضية، ولا احتياجا عابرا ومتقلبا، هناك ثبات في هذا الحب يفوق كل مدى، جَيَشَانٌ داهمٌ لقُوى حميمةٍ جداً وعميقةٍ إلى غير ما قرار، وباقيةٍ. مقوم من مقومات الوجود، رابطة لا تنفصم لها اليوم من السطوة والضراوة والتحقق الذي لا يُوصف ما كان لها في أى وقت، وأكثر، وأكثر..

   لا، لست متواضعاً أبدا، ولا واقعيا باثنين مليم، ولا عاقلاً في الحقيقة ولا شيئا من هذا القبيل. وليس هذا أيضا وهماً من أوهامي عن نفسي، أتوهم كثير أنه ليس عندي أوهام عن نفسي.

   هل هى صدفة خاطئة في المكان والزمان؟ ما يسمى بالمقادير؟ 

   أم على العكس تماماً، هو حتم محتوم؟

   ولست أعرف ما إذا كان ذلك كله يصنع معنى. أثق أنكِ بحدْسٍ ما، فيكِ، على الرغم من حواجز الكلمات التي لا اجتياز لها، تعرفين ما أعني.

   زهرة الصبّار الحمراء، يانعة، وحيدة في وسط امتداد رمال الصحراء البيضاء الشاسعة. تُزهرين يوماً واحداً وتبقين بلا انتهاء.

   وشوقي إليك أعنف جذوةً الآن من أى وقت مضى. عاتٍ وطغيانهُ لاينتهي، ليس له بَرُّ.

   اليأس أيضا قاتم لا يُحُول.

   لن أتعلم أبدا كيف أكون واقعيا.

   أُقبّلك على عينيك اللتين تروعانني، وأنت تُفيضينهما من أجلى، وعلى خدّك الرخيم، على شفتيك المليئتين بماء حياتي. ولا تنتهي قبلتي.

   هل هذه النجوى الطويلة مملة عندك، وغير مهمة، وليست صحيحة؟ أم هى مسلية وشائقة؟ أتخالف قاعدة من قواعد السلامة الخلقية، أو السواء النفسى، أو معايير ما ينبغي ومالا ينبغي؟ أهى شىء مَرَضى وغريب قليلاً وليس من الأصول في شيء؟ وهل هناك بيننا لعبة، في النهاية، لها أصول وقواعد؟ أنا أقول لا، لا. أقول هذا أنا، كلّي، في الميزان. ودائما كفتي رجوحة، ودائماً لا أعرف، ولا أهتم، بقراءة الميزان.

   في غمراته التي تعلو به وتميد، كان دائماً يريد أن يعرف كيف تتلقى -هي- هذه الهجمات العاطفية؟ كيف يمكن أن ترى هذه الاقتحامات؟ قالت له مرة إنه حتى الشيخ التفزاوي يرى أنه في العشق من الضروري حُسْن الأدب. كيف يقول لها إن العشاق القدامي كانوا يسيئون أدبهم في حضرة الهوى بل كانوا لا يعرفون ما سوء الأدب، وإنه اذا صحّت المحبةُ سقطتْ شروطُ الأدب، كما يقول شيخُه الذي يحبه.

   أم لعلها تفكر أن هذا كله شئ لا يتعلق بها..، على أى حال؟ كم قالت له هذا، مرارا، أهو صحيح؟ لا يمكن! هل هى تفكر، ربما، أن ذلك كله إنما هو من خصائص هذا الرجل، سواء كانت هي هي .. موجودة أم غير موجودة؟ لذلك فهي، ببساطة، تُنحّي ذلك كله عن نفسها، وتنفيه، ولا ترى له اعتبارا. كيف يمكن لها أن تُقابل هذا الحب باستغراب، ثم بالإلغاء؟

   قالت له: لا أدري. حتى لو لم أكن موجودة، فأنت مليءٌ بالحب. أنت مخلوق لهذا النوع من الحب والألم. لي أو لغيري سواء.

فشرح لها طويلاً أن هذا من خطَل الرأي، ولم تجب، ولم تقنع.   


من الفصل الثالث: #شمس_العيون_الدفينة، من رواية #الزمن_الآخر من إبداع #إدوار_الخراط  

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2024

يا رب: كلها تقودني إليك

يا رب..

ربِّ إني لِمَا أنزلْتَ إليَّ مِنْ خيرٍ فقيرٌ.. منطرحاً أمام بابك الكبير.. أصرُخُ في الظلام أستجير: ياراعي النِّمالِ في الرِّمالِ، وسامِعَ الحصاةِ في قرارةِ الغدير.

صرختي الأولى كانت إليك، وندائي الأولُ، ونَغْنَغَتي ومُناجاتي.. وجودي.. بشريَّتي.. ضعفي.. خوفي.. حُزني.. فرحي.. كلُّها تقودني إليك.


ذاتَ مساءٍ كنْتُ بينَ خيَّان الأَثْل في حاجةِ أمي.. كانَ الظلامُ بيني وبينكَ، وكانت السماءُ أبعدَ في نظري، والخوفُ أقربَ في قلبي، والطريق إلى النور طويل..

وعندما وصلْتُ مسحَتْ أُمي على رأسي و قالت: يا ولدي.. الطريقُ إليه آمن.. انتبه أن تتوقّف.

ثم أشارت إلى الأعلى.. ومُنذُ ذلكَ الوقْتِ وأنا أحاوِلُ الصُّعودَ إليكَ، وكلَّما اقتربْتُ منكَ وجدْتُكَ أقربَ إلى قلبي وأبعد من خيالي!!


يا رب.. يأتي اسمُك مُجَلْجِلَاً على لسانِ أحدِهم فأخاف، وَضَعَ الحواجزَ دونَك والسُّدودَ والحُفَرَ، وعندما أَفَقْتُ من تلك الوَحشة؛ أتاني نداؤُك الأجملُ: يا عبدي.. وأجبْتُكَ: يارب.. 


أحببْتُكَ قبْلَ أن أخافَكَ.. وكلَّما سمعْتُ اسمَكَ صِرْتُ به أكثرَ ثَراءً..


يأتي اليقينُ بعدَ الشَّكِّ.. يأتي مُنثَالاً بجمال ما أودعْتَهُ وأبدعْتَهُ في أعماقِ المُحيطات وأجوازِ الفَضاء..


في ألمِ الأمهات.. وعجْزِ الأسئلة.. ومرارةِ الفَقْد؛ يأتي التَّضرُّعُ باسمك..


في وَهَنِ الجسدِ.. وضياعِ الرُّوح.. وقسوةِ الخسارة؛ يأتي التَّبتُّلُ إليك..


يا رب.. كنْتَ معي في ظُلمةِ الرَّحِمِ.. في طفولتي وأحلامي.. في تفاصيلي الصغيرة..


كنْتَ معي في الإخفاقِ والنّجاح.. في مُواجهة الحياة.. في الانطلاق والنّهاية.. أمامَ ألسِنَةٍ جارِحةٍ وخلفَ مخالِبِ الظلام..

 

يا رب.. وأنتَ الجميلُ الذي خلقْتَني جميلاً، وأردْتَ لي أن أكونَ كما خلقْتَني؛ أبقِني على فطرتكَ بعيداً عن تشويه ذاتي..

 

يا رب.. وكُلُّ نَفَسٍ يُقرِّبُني إليك.. وكل صباحٍ أستفتِحُ فيه بذكرك؛ امنحني القُوَّةَ أنْ لا تتعثَّرَ خُطايَ في مسيري إليكَ..

 

يا رب.. أعطِني حُرِّيَّةً بقدْرِ عُبوديَّتي لكَ، ويقيناً بقدر أَمَلي فيك، واجعلْ ما بيني وبينَكَ مسافةَ حُبٍّ وقرِّبْها..

 

يا رب.. مَنحْتَني عينَيْنِ ولساناً وشفتين.. اهدِني أنْ لا تنْشغِلَ هذه الجوارحُ بغيرِكَ عنكَ..

 

يا رب.. وأنْتَ الكبيرُ في عليائِكَ وأنا الهَباءةُ في كونِكَ؛ فَكُنْ أنتَ الصَّاحب في سَفرِ الحياة..


#سلمان_العودة

الأحد، 27 أكتوبر 2024

قصيدة الكنز - فؤاد حداد


يا سامعين أبناء بلد واحده
تحت السما الواحده وفي البستان
من الكافوره تنقل العصفوره
على الغيطان للسنبله المضفوره
تكسر عيدان الميه فوق النافوره
فرط الحنان الفجر قال ياكريم
جت فى الودان كل الذنوب مغفوره

يا حامد استفتح بقلب سليم
النور مقسّم أحسن التقسيم
معنى المعانى ونزهة الأنظار
والشرق جاور فرن عم ابراهيم
طلع الرغيف والشمس والأزهار
أصل المعايش أصلها بالنهار
نادى المنادى ع الرطب والخضار
بحس أزين من أسامى الحريم

يا كل دى الجنه ودار النعيم
أهل الحرف والحمالين والتجار
فى دولة المماليك يشموا النسيم
وفى ألف ليله يطلعوا ألف رحله
مع الخيال وبيسألوا الكنز فين
ما بيعرفوش الكنز بين الأيدين
قولة حتوحشني وقولة حتحلى
تودع الشطّار بغمزة عين

والكدب أخضر فى الزمان القديم
كل التاريخ مكتوب بحبر أليم
وعشان نقول أمثال ونضربها
لابد من مقتول يجربها
يا حسرة العجبه فى إيد اليتيم

المصري هو الشاعر القايل
الناس بتاكل بعض، مش واكل
الناس ولاد الكار فى حب الحياه
قول للنفوس اللى بتطلب حكيم
إذا القمر بعتر عليها ضياه
من غير ما أفهم حاجه فى التنجيم
من غير ما اكون فلكى فى علم الهيئه
شافت عيونى فى الليالى الرايقه
بخت اللى باتوا كلهم مظاليم

ورجعت اقول مش راح تفكوا الرَّضَد
عن كنزكم غير ما يزول الحسد
ما بين ولاد الكار بإذن الرحيم
خلينا قلب وعين
بين السما والأرض
أقرب من الشفّتين
لبعض
الحب جاى ورايح
أخضر خفيف الجانح
طالق شبابه وفاتح
شباكه زى الايدين
خلينا قلب وعين
بين السما والأرض
أقرب من الشفّتين
لبعض

واللى فتنته فتنّى
وكان جميل التثنى
وانا الأمير المغنى
الله خلق الاتنين
نعيش حبايب حبايب
ولاعذول ولاتايب
تلات ليالي عجايب
وفاتوا منهم يومين

إحنا اليتيم واليتيمه
يا اهل البيوت القديمه
كل الحجاره كريمه
اللى تتاوي راسين

عايزين ماحدش يطرف
تحت النسيم المرفرف
نعيش لبعض ونعرف
حنية الوالدين
خلينا قلب وعين
بين السما والأرض
أقرب من الشفّتين
لبعض

قصيدة #الكنز - #فؤاد_حداد من ديوان (من نور الخيال وصنع الأجيال في تاريخ القاهرة)

السبت، 26 أكتوبر 2024

قصيدة رمى بالعصا

 أَلا كَمْ كريمٍ عَدَّهُ الدهرُ مُجْرِمَا

فَلمَّا قَضَى صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَا


أَبْو القاسمِ المنفيُّ عن دارِ أَهْلِهِ

وَمُوسى بْنُ عِمْرَانٍ وَعِيسَى بْنُ مَرْيَمَا


أَتَعْرِفُ دِيناً لم يُسَمَّ جَريمَةً

إذا ضَبَطَ القَاضِي بِها المَرْءَ أُعدْمَا


صَليبٌ وَقَتْلٌ في الفِراشِ وَعَسْكَرٌ

بمِصرَ وأُخْدُودٌ بِنَجْرَانَ أُضْرِمَا


وَطِفْلٌ وَدِيعٌ بَينَ أَحضَانِ أُمِّهِ

يُرَاوغُ جَيْشَاً في البلادِ عَرَمْرَمَا


وَقَلَّ نَبِيٌ لَمْ تُلاحِقُهُ شُرْطَةٌ

وَأَشْبَاهُهَا فِي كُّلِّ دَهْرٍ تَصَرَّمَا


فَمِنْ جَوْهَرِ التَّوْحِيدِ نَفْيُ أُلُوهَةِ

المُلُوكِ لِذَا مَا زَالَ دِينَاً مُحَرَّمَا


وَلَمْ يُؤْمْنِ الأَمْلاكُ إلا تَقِيَّةً

وَفِي المُلكِ شِرْكٌ يُتْعِبُ المُتَكَلِّمَا


وَفِرْعَوْنُ والنِّمْرُودُ لَمْ يَتَغَيَّرَا

بِقَرْنَيْنِ أو زَبْطَاتِ عُنْقٍ تَهَنْدَمَا


وَنَحنُ لَعَمْرِي نَحْنُ مُنْذُ بدَايةِ

الخَلِيقَةِ يا أحبَابَنَا وهُمَا هُمَا


نُعَظِّمُ تَاجَ الشَّوْكِ في كُلِّ مَرَّةٍ

وَلَسْنَا نَرَى تَاجَاً سِوَاهُ مُعَظَّمَا


وَنَرْضَى مِرَارَاً أنْ تُرَضَّ عِظَامُنَا

عَطَاشَى وَلا نَرْضَى دَعِيَّاً مُحَكَّمَا


مُسَيَّرَةٌ في شُرفَةِ البَيْتِ صَادَفَتْ

جَرِيحَاً وَحِيداً يَكْتَسِي شَطْرُهُ دَمَا


قَدِ اِنْقَطَعَتْ يُمنَاهُ وَارْتَضَّ رَأْسُهُ

فَشَدَّ ضِمَادَاً دُونَهُ وَتَعَمَّمَا


وَأَمْسَكَ بِاليُسْرَى عَصَاً كَيْ يَرُدَّهَا

فَكَانتْ ذُبَابَاً كُلَّمَا ذُبَّ حَوَّمَا


وَمَا أُرْسِلَتْ إلا لأنَّ كَتِيبَةً

مِنَ الجُنْدِ خَافَتْ نِصْفَ بَيْتٍ مُهَدَّمَا


وقدْ وَجَدُوهٌ جَالِساً في انْتِظَارِهِم

أَظُنُّ ومِنْ تَأخِيرِهِم مُتَبَرِّمَا


وَلَوْ صَوَّرَتْ تَحتَ اللثًامِ لَصَوَّرَت

فَتَى سَاخِرَاً رَدَّ العُبُوْسَ تَبَسُّمَا


تَلَثَّمَ كَيْ لا يعرِفُوهُ لأنَّهُم

إذا عَرَفُوهُ فَضَّلُوا الأَسْرَ رُبَّمَا


ولو أسَرُوهُ قَايَضُوهُ بِعُمْرِهِ

لذلك رَأَى خَوْضَ المَنِيَّةِ أَحْزَمَا


‏فلمْ يتلثَّمْ كي يَصُونَ حياتَهُ 

وَلكنْ لزُهْدٍ في الحَياةِ تَلثَّمَا


فَقُلْ في قِنَاعٍ لَمْ يُلَثْ لِسَلامَةٍ

وَلَكنْ شِعَارَاً في الحُرُوبِ وَمَعْلَمَا


وَقُلْ في جُمُوعٍ أَحْجَمَتْ خَوْفَ وَاحِدٍ

وفي جَالسٍ نَحْوَ المُشَاةِ تَقَدَّمَا


أَتَى كُلَّ شَيءٍ كَيْ يَسُوءَ عَدُوَّهُ

وَلَمْ يَأْتِ شَيئاً في الحَياةِ لِيَسْلَمَا


رَمَى بالعَصَا جَيْشَ العَدُوَّ وَصِيَّةً

لمَنْ عِنْدَهُ غُيرُ العِصِيِّ وَمَا رَمَى


رَمَى بِالعَصَا لَمْ يَبْقَ في اليَدِ غَيْرَها

وَمَنْ في يَدَيْهِ العَسْكَرُ المَجْرُ أَحجَمَا


غدَا مَضْرِبَ الأمثالِِ مُنْذُ رَمَى بِها

لكلِّ فتى يَحمي سِوَاهُ ومَا احتَمَى


جُلُوساً على الكُرسيِّ مثلَ خَليفةٍ

يُبايعهُ أهلُوهُ في الأرضِ والسَّما


فذلكَ عَرشٌ يَرْتَضِيهِ ذَوُو النُّهى

وذاكَ إمامٌ قِبلةَ السّعدِ يمَّمَا


هُنا يُصبحُ الإنسان ديناً مُجَرَّدَاً

ويُصبحُ دينُ الناس شَخْصَاً مُجَسَّمَا


أتعرفُ؟ إنَّ المَوْتَ رَاوِيةُ الفَتَى

يَقُولُ لحقٍ أمْ لبَاطِلٍ انْتَمَى


يعيشُ الفَتَى مَهْمَا تَكَلَّمَ سَاكِتَاً

فَإِنْ مَاتَ، أَفْضَى مَوْتُهُ فَتَكَلَّمَا


قصيدة #تميم_البرغوثي الأخيرة #رمى_بالعصا 
https://x.com/TamimBarghouti/status/1850109680724414726

الاثنين، 21 أكتوبر 2024

عندما حدثَ له ما يحدثُ للآخرين

 الغُرْبَةُ كالموت، المرءُ يشعر أنّ الموتَ هو الشيءُ الذي يَحْدُثُ للآخرين، منذ ذلك الصيف أصبحْتُ ذلك الغريبَ الذي كنتُ أظنه دائماً سِواي.

الغريبُ هو الشخص الذي يجدّدُ تصريحَ إقامته، هو الذي يملأ النماذج ويشتري الدمغات والطوابع، هو الذي عليه أن يقدّمَ البراهينَ والإثباتات، هو الذي يسألونهُ دائماً: «من وين الأخ؟» أو يسألونهُ «وهل الصيف عندكم حارٌ؟» لا تعنيه التفاصيل الصغيرة في شؤون القوم أو سياساتهم «الداخلية» لكنه أول من يقع عليه عواقبُها. قد لا يُفرحُهُ ما يُفْرحُهم لكنه دائما يخاف عندما يخافون.

هو دائماً «العنصر المندسّ» في المظاهرة إذا تظاهروا، حتى لو لم يغادر بيتَه في ذلك اليوم، هو الذي تنعطب علاقتُه بالأمكنة، يتعلّق بها وينفر منها في الوقت نفسه. هو الذي لا يستطيع أن يروي روايتَه بشكلٍ مُتَّصل ويعيش في اللحظةِ الواحدة أضغاثا من اللحظات. لكل لحظة عنده خُلودُها المؤقَّت، خُلودُها العابِر. ذاكرتُهُ تستعصي على التنسيق، يعيش أساساً في تلك البقعة الخفيّة الصامتة فيه. يحرص على أن يصون غموضه، ولا يحب من ينتهك هذا الغموض. له تفاصيل حياةٍ ثانية لا تهم المحيطين به، وكلامه يحجبها بدلاً من أن يعلنها. يعشق رنينَ الهاتف، لكنه يخشاه ويفزع منه. الغريب هو الذي يقول له اللطفاء «أنت هنا في وطنك الثاني وبين أهلِكْ». هو الذي يحتقرونه لأنه غريب أو يتعاطفون معه لأنه غريب، والثانيةُ أقسى من الأولى.

 #مريد_البرغوثي #رأيت_رام_الله

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2024

أحلام فترة النقاهة: الحلم رقم (١٣)

 الحلم (١٣)

هذا هو المطار. جوه يموج بشتى الأصوات واللغات. وكن قد فرغن من جميع الاجراءات ووقفن ينتظرن. اقتربت منهن وقدمت إلى كل منهن وردة فى قرطاس فضى، وقلت:

– مع السلامة والدعاء بالتوفيق

فشكرننى باسمات وقالت إحداهن

– إنها بعثة شاقة ونجاحنا يحتاج إلى أعوام وأعوام.

فأدركت ما تعنى، وغمر الألم قلبى وتبادلنا نظرات وداع صامتة ولاحت لأعيننا مسرات الزمان الأول

وتحركت الطائرة وجعلت أتابعها بعينى حتى غيبها الأفق.

وحال عودتى الى بهو المطار لم أعد أذكر إلا رغبتى فى الاهتداء إلى مكتب البريد، وكأننى ماجئت إلا لهذا الغرض وحده. وسمعت صوتاً يهمس أنت تريد مكتب البريد؟ فنظرت نحوه ذاهلا فرأيت فتاة لم أرها من قبل فسألتها عن هويتها فقالت بجرأة:

– أنا بنت ريا. لعلك مازلت تذكر ريا وسكينة؟

فقلت وذهولى يشتد.

– إنها ذكرى مرعبة

فرفعت منكبيها وسارت وهى تقول:

– إن كنت تريد مكتب البريد فاتبعنى.

فتبعتها بعد تردد غاية فى العنف.

القراءة:

وَداع وديع، ووعد مؤلم، وانتظار جديد، ومتابعة غامضة.

 فى حلم (٧)، كان الراوي ينتظر تراما خاليا، وتبع فتاة ليل لا تَعِدُ بكْسر وحدته، وإن كانت تلوّح بوقت زائط، أو تسكين مريح.

المسرح هنا مطار، وهو يشير إلى الإقلاع بقدر ما يشير إلى الهبوط، لكن جميع الراحلات ينتظرن، وهو أيضا ينتظر، هن ينتظرن الإقلاع، وهو ينتظر – كما اكتشف لاحقا أن هذا هو السبب الحقيقى لقدومه -: ينتظر" رسالةٌ ما من مكتب البريد

السماح ظاهر فى طقوس الوداع بالزهور لكل واحدة دون استثناء، وذلك رغم آلام الفراق، وذكرى المسرات-كان ثَمَّ هاجس يطمئن أن هذا الوداع ليس هجرا بقدر ما هو وعدٌ بلقاء ما، بشكل ما، فى وقت ما، حتى لو طال الزمن لسنوات.

لكن الأمر لم يكن تماما كذلك، فالألم جاهز، وذكرى مسرات الزمان الأول تلوح فتزيده حدة، وتفتح نوافذ الأشواق “للآتى”.

وسط كل ذلك هو يدعو لهن – متألما- بالتوفيق.

التوفيق إلى ماذا؟ (فى مهمة، قد تكلل بالنجاح)

الوصل عن بعدٍ محتمل، ثم وعُدٌ غير معلن بلقاء قادم، كل هذا يعود بنا من جديد إلى "برنامج الذهاب والعودة"، أساس العلاقات البشرية، حركية النمو والتواصل:

مع السماح بالرحيل يبزغ ألم الحاجة إلى الوصل، بمن سافر، وبالمجهول، وبالآتى، مهما طال الزمن، فيتجلى الانتظار (كل من انفصل عن أصله يطلب أيام وصله).

حين عاد إلى بهو المطار بعد رحيل الطائرة تأكد له أن حضوره المطار لم يكن للوداع أو التوديع، ولكن كان لرغبته فى الوصْل، (الاهتداء إلى صندوق البريد)، حالةٌ متجددة من اليقظة والتوقع، تسمى "الانتظار" الممتد دهِشا.

الانتظار يفتح ذراعيه لمجهول أكثر غموضاً، لكنه يبدو أنه الأهم.

الفتاة التى ظهرت كأنها الرسول الذى يربط بين الرحيل وبين الانتظار تعلن بصوتها الهامس أنها همزة الوصل، وأنها تعرف حاجته، كما تعرف السبيل إليها.

هى ليست نقيض الراحلات تماما، هى ليست ريَّا لكنها ابنتها.

وهى ليست فتاة الهوى على محطة الترام ٣ (حلم ٧)،

ومع ذلك فهى الدليل إلى مكان الوعد الغامض: مكتب البريد.

التنقل من هذا الوعد الأول الذى أعلنه السماح بالرحيل برغم ألم الفراق، إلى التهديد الخفى بذكرى مفاجآت القتل للسرقة هو من طبيعة حركية النمو برغم ظاهر التناقض.

نحن لا نستبدل أمانا بأمان وإلا كان نموا ماسخاًَ فاتراً، نحن نستبدل أمانا واعداً بانتظار غامض، يتفجر منه احتمال خطر مخيف. مجرد احتمال، لأن ابنة ريا قد تكون امتدادا لريا، لما تمثله ريا، وقد لا تكون، لكن الرعب امتلكه لمجرد ذكر الاسم.

ثم إنه رضى أن يتبعها بعد تردد غاية فى العنف (لاحظ كيف يكون التردد عنيفا مع أن التردد يصحبه عادة، أوينتج غالبا من، خورِ وعجز عن اتخاذ قرارٍ ما)

لا يحول تردده هذا دون اتباعها بعد أن أكدت واثقة من أنها تعرف مكتب البريد.

ما العلاقة بين ابنة ريا وبين تلك الراحلة التى قالت له إنها بعثة شاقة؟

إن البصيرة بوعورة الرحلة (بعثة شاقة)، وفى نفس الوقت إعلان حتم الانتظار الحذر، لا يبرران العزوف عن المغامرة.

قد تكون هذه المرشدة – مرة أخرى – التى هى ليست ريا، بل ابنتها – هى معبر الوصْل بين الحاضر والآتى بعد الرحيل الطيب: المؤلم، مهما طال الزمن.

هل يقول لنا الحلم شيئا عن طبيعة نقلات النمو، وضرورة استيعاب الواقع، مع اليقين بتحرك الزمن من ريا إلى ابنتها، وتحمل الانفصال الواعد المؤلم، جنبا إلى جنب مع التردد البالغ فى العنف، وتوقع المجهول تحت مظلة الرعب؟

يظل المسرح كله فى المطار حتى النهاية، وكأنه يذكرنا أننا نعيش دائما على "الحافة" بين السماء والأرض، بين الوعد والانتظار، بين الخوف من المجهول واتباعه.

بدأ حلم (٢) والراوى يتبع الفتاة إلى الشقة، وانتهى وهو يجرى نحوها قبل أن تذوب فى الزحام وسط البشر.

أما حلم (٧) فقد انتهى والراوى يسير فى إثر فتاة محطة الترام (دون تردد)،

لكنه هنا يتبع الفتاة بعد تردد فى غاية العنف،

هل ستسعفنا الأحلام بعد ذلك بما قد يفسر تكرار ظهور هذه الفتاة وتلك المتابعة؟

أتوقع ذلك، لكننى لا أعد بالبحث مسبقاً خشية أن أتوقف.

من كتاب (عن طبيعة الحلم والإبداع) ليحيى الرخاوي، وهو دراسة نقدية في (أحلام فترة النقاهة) لنجيب محفوظ

الأحد، 6 أكتوبر 2024

لمْ يعد هناك ما يُسمع

 لمن يمكن أن أتكلم الآن؟ من يسمعني؟ من حقاً؟ كيف خلا العالم من حولي إلى هذا الحد؟ كل هذه الدوائر المُغلقة التي يسير فيها البشر من الميلاد إلى الموت دون وصل أو تواصل، جزر مُغلقة منعزلة في بحار من الزحام والضوضاء والطمع، يلتقي الناس مصادفةً ويفترقون حتماً، ولا يتبادلون سوى المنافع والفواتير العاجلة والمؤجلة، الحديث بينهم لم يعد وداً وتواصلاً، أجهزة إرسال فقط، الجمل ناقصة نصفها: "كده، تقريباً.. ويعني".  كنت أحب الكلمات الواضحة الناصعة، أراها مكتوبة أو منطوقة، وأحب حركتها الداخلية، وهي تصل إلى معنى يقدمه إنسان إلى آخر كأنه هدية أو إشارة حُب، الآن أسمع الحديث حولي: صرخات استغاثة، أو خبطات على أبواب مُغلقة، إنهم حولي جميعاً يذيعون على موجة لا أستطيع التقاطها، أتمنى أحياناً لو أنني صماء. لم يعد هناك ما يُسمع.

 #علاء_الديب 
من رواية #قمر_على_المستنقع

الأحد، 29 سبتمبر 2024

الرقة الجبانة

 

هذه‏ ‏الحيلة‏ ‏الشائعة‏ ‏فى ‏عصرنا‏ ‏هذا‏ ‏هى ‏من‏ ‏أخفى ‏الحيل‏ ‏وأكثرها‏ ‏بريقا‏ ‏وخداعا،‏ ‏وقد‏ ‏اكتسبت‏ ‏قدسية‏ ‏شبه‏ ‏حضارية‏ ‏حتى ‏أصبحت‏ ‏مرادفة‏ ‏للتمدن‏ ‏والعصرية‏، ‏وهى ‏تسمى ‏غالبا‏ "‏رقة‏ ‏المعاملة"، ‏وابتداء‏ ‏نقول‏ ‏أنها‏ ‏ميزة‏ ‏تساعد‏ ‏فى ‏أن‏ ‏يمارس‏ ‏كل‏ ‏فرد‏ ‏حركة‏ ‏ذاتية‏ ‏فى ‏دائرته‏ ‏الخاصة‏ ‏حيث‏ ‏تضع‏ ‏الحدود‏ ‏اللازمة‏ ‏حول‏ ‏مساحة‏ ‏معينة‏ ‏من‏ ‏السلوك‏ ‏الشخصى ‏تسمح‏ ‏بالخصوصية‏ ‏والحرية‏، ‏ولكن‏ ‏المبالغة‏ ‏فيها‏ ‏قد‏ ‏جعلت‏ ‏التواصل‏ ‏بين‏ ‏شخصين‏ ‏رقيقين‏ ‏معاصرين‏ ‏أقرب‏ ‏مايكون‏ ‏إلى ‏الاستحالة‏، ‏بل‏ ‏إنها‏ ‏أحيانا‏ ‏تحمل‏ ‏معنى ‏التخلى ‏عن‏ ‏مسئولية‏ ‏المشاركة‏، ‏وعن‏ ‏الاهتمام‏ ‏الجماعى ‏بأى ‏صورة‏ ‏وهى ‏بذلك‏ ‏تمثل‏ ‏صورة‏ ‏من‏ ‏العدوان‏ ‏السلبى ‏بالترك‏، ‏فتصبح‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏البشر‏ ‏أقرب‏ ‏ماتكون‏ ‏إلى ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏كرات‏ "‏البلياردو" ‏الخشبية‏.‏

وخطورة‏ ‏هذا‏ ‏العدوان‏ ‏السلبى ‏أنه ‏-‏فى ‏قيمنا‏ ‏المعاصرة‏- ‏مقبول‏، ‏ومرجح‏، ‏بل‏ ‏ومقدس‏ ‏أحيانا‏، ‏وبالتالى ‏فالجريمة‏ ‏الانعزالية‏ ‏مغفور‏ ‏لها‏ ‏ابتداء‏.. ‏ولكن‏ ‏فى ‏تناولنا‏ ‏لتكوين‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏ننبه‏ ‏إلى ‏هذه‏ ‏الظاهرة‏ “‏الشيزويدية‏” ‏مهما‏ ‏بلغ‏ ‏تقدمها‏ ‏هى ‏من‏ ‏أكبر‏ ‏المهيئات‏ ‏لظهور‏ ‏المرض‏ ‏النفسى ‏فيما‏ ‏بعد‏، ‏نتيجة‏ ‏للجوع‏ ‏الشديد‏ ‏إلى ‏دفء‏ ‏العواطف‏ ‏البشرية‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏التواصل‏ ‏الأعمق‏ ‏بين‏ ‏الناس‏.

#يحيى_الرخاوي

السبت، 17 أغسطس 2024

ليس للألم مكافأة

  تزوج عمّي فانوس خالتي وديدة.

  مع أنه كان يموت حباً في خالتي سارة، أختها الصغرى.


النظرة الوامقة في عينيه لا أنساها، حتى النهاية، مع زواجه بأختها.


وفاؤه لها وفاء مطلقاً، ومع أنه خلّف منها ثلاثة أولاد، وأربع بنات يظل يرمق سارة بالنظرة العاشقة نفسها. حتى يموت.


    وجهه الأبيض المرهف العظام، مربًّعاً قليلاً ومُرفّهاً، ابن عزّ كان. عيناه بهما الحول الخفيف من أثر رمد قديم، سوادهما عميق، غطيس، حتى يلمع دائماً بالرقة. هكذا عرفته. شعره المسرح الناعم محلوق بعناية دائماً، تحت الطاقية النظيفة المكوية، تحت الطربوش في المناسبات، جلابيته البلدي الصوف الغالية في الشتاء، بوبلين أبيض في الصيف، لا تعلق به اشائبة صيفاً ولا شتاء.

فهمت من ستي أماليا، في كلام مهموس لخالتي روزه وخالتي سالومة، لم يكن مقصوداً أن أسمعه، أن عمّي فانوس فاتح ساويرس بما كان يعرفه جدي، وما كنا نعرفه، إنه يريد خالتي سارة. 

   وأن جدي ساويرس قال له بدون غضب، بل بفهم تقريباً لما كان يعذّب قلبه، ما كنا جميعاً نتوقعه، وكان عمّي فانوس أول من يتوقعه.  إن سارة هي الصغيرة - كما نعرف كلنا- هل يرضى أن تعنّس الكبيرة. وعلى العموم، قال، أختها تحت أمرك في أي وقت، من أحقّ بها من ابن عمّها يداري لحم بنت عمّه؟


وافق عمّي فانوس دون لحظة تردد.

   هل كان في صميم نفسه قد أعدّ نفسه لهذا المآل؟

هل كان في صميم نفسه يخشى على حبّه أن يزول - شأن الحب عادة.


هل كان حقاً يريد أن يهزم هذا الحبّ بنفسه، حتى يبقى أبداً؟


بقى حياً، الحب.

هل قتلتُ هوى نفسي، وعشتُ بلا نفسٍ؟ أم أنّ في قتل نفسٍ حياتها؟


ياه.. يا عمّي فانوس. كيف استطعت أن تضحّي حياتك كلّها، لتكسبها.


كيف استطعت أن تدفن آلام الحب الذي لا يطاق؟ وأين ذهبت هذه التمزيقات التي شرّحتْ نفسك شرائح وفِلَذاً، دمها مكتوم دائماً، لا يباح به؟ ولا يُباح؟

 

مراقٌ بلا توقف في الداخل، دون أن تراه عين؟ هل راحت هدراً، هذه الآلام والتمزيقات، دون أدنى معنى؟

 

كما لو أن من الضروري أن يكون للألم معنى، أي معنى.


يا لوعتي، يا ضنايّ.


أما من نهاية - بقى - لهذه الولولة وندب سوء الحال؟


أين ذهبت هذه الآلام التي لا تُحتمل، آلام الطفل الصبي آلام الكهل؟


لا قيمة لها.


ليس للألم مكافأة.

 

#إدوار_الخراط
من رواية #حجارة_بوبيللو

قصيدة الرحلة - عبد الرحيم منصور

بسافر بسافر... بهاجر بهاجر  إمتى حاتلقى المحطة وترسى يا حاير؟  مُرّ السؤال ع اللى مالوش عالسكة آخر  من مصغري لمكبري مسافر  بأغوى مشاوير الهو...