وكان يقول لنفسه: أمقت المرض، والألم، ولا أعرف كيف أقبله ولا كيف أتعامل معه. كأنَّ أحبَّاءه يخذلونه أو يخونونه، فعلاً، عندما يمرضون أو يتألمون، وعلى كل رِفق قلبه بالخوف عليهم، والحَدْي والتَّوجع، يبدو صلباً جامداً وفي كلامه لا مبالاة أو حتى برود، الجفاء الذي يردُّ به على فزعه وضعفه أمام الخطر عندما لا يعرف كيف يُلاقيه، إلا أن يجري إلى الأمام، أو يجري إلى الخلف، يحتضن المرض والألم بجسمه هو، أو ينفيه عن نفسه، ويلغيه.
عندما نزل، بعد انصراف الطبيبة على الفور، كان سعيداً بمعنى ما لأنه وجد شيئاً ما يعمله لها في مرضها، بعد طول الحيرة واللدد. كانت القاهرة في شم النسيم خاوية ومغلقة، وكان بحثه عن صيدلية مفتوحة مغامرة غير محسوبة، حتى وصل إلى الإسعاف لكنها أيضا كانت مغلقة. واكتشف، مع سائق التاكسي، صيدلية مجهولة صغيرة في حارة من بولاق، وعاد بعد أن دفع للتاكسي بسخاء، وقال له الرجل: "بالسلامة إن شاء اللّٰه، كل سنة وأنتم طيبين"، وفكر أن حظه كان لا يُصدَّق أنه وجد التاكسي أصلاً وأنه وافق على عملية البحث معه عن صيدلية مفتوحة في فراغ القاهرة هذا الصباح الغائم بتراب الخماسين الخفيف. وعندما سمعها، بعد ذلك، تردُّ على سلوى بالتليفون، وتقول لها: "أشكرك يا حبيبتي، لا يانور عيني، أبداً، أنا أحسن الآن بكثير، لم تكن تنقصني الرفقة ولا العناية .." وهى لا تنظر إليه، ويعرف أنها تتجه إليه وحده بهذه الكلمات، أحس نفسه، أخيراً، له فائدة، أكثر بكثير من لحظةِ عودته، عندما قالت له: "مدهش، لا أعرف كيف جئتَ بالدواء اليوم، لم أكن أصدق أنك ستحصل على شئ".. ولكنها قالت له، فيما بعد: "لا أدري. كان عندي شعور بأنك غير مهتم بي، حقاً. كانت كلماتك تأتيني غريبة وليس فيها إحساس". وكان يعرف أنها على حق. في الأزمة لم يكن يعرف أن يتكلم، وإذا تكلم جاءت كلماته بعيدة لا صلة له بها، اكتفى بأن قال: "لا أعرف أحيانا أن أنقل ما أحس به"، فقالت مُنكِرة: "أنت؟ غريبة" فأحس مرةً أخرى قبضة الذكرى، والحزن، والحس بالخذلان من صباه. كيف يمكن أن يُصحح القلبُ خياناتِه القديمة؟ وكيف يعترف؟ آثام القلب لايُبرئها شىء، ولا الاعتراف، عليك أن تقبلها - أو ترفضها - ولكن تَحْمِلُ ثقلّها الرازح، وتعرف كيف تحمله. فأحاط كتفيها بذراعيه، فقط، وكان وجهها العذب الأسيل فيه جراحات دفينة خفيّة، قريباً جدا من وجهه، ضمّها إلى صدره أكثر قليلاً، فقط، وقام فجأة وخرج مسرعا من الغرفة، ليتمالك نفسه.
يا حبيبتي، لا، لست أُصر أبداً على أن أراك قوةّ كونية، حتى إن كان فيكِ هذا الإدماء بالخلود، بالانفصال عن الزمن، ونضارة الفينيقة الأبدية.
دعيني أفصح تماما، بقدر ما استطيع. أتهجّاها حرفاً حرفاً، كما يقال.
لا، لست أُحب وهماً من صنع خيالي، ولا أنا أصغو إليكِ كما أصغو إلى "مطلقٍ" ما أُقيمه لنفسي من تصوراتي "المثقفة" ولا شيئاً في هذا السياق كله. بل أحبكِ، أنتِ، امرأةٌ غنيةٌ بأنوثتها الحية، الحسية، وكبيرة القلب، وجريئة ومُحبة وتعرف كيف تفكر وجميلة، وتعيش في هذا الواقع الأرضى الذي نعرفه كلانا، بأصفاده وفروضه علينا، وبإمكانات الحرية فيه أيضا، أحبك بما فيكِ من ضعف وحاجة، ويزيد ضعفك من حبي لك، طبعاً، وكما هو ضروري، وبما فيك من قوة وعزم وجسارة أيضا. أما تلك القوة الكونية، أو شيءٌ ما يشبهها، أو يفوقها، فهو شئ ما عندك يستثير مُقّابِله عندي، قوة حبى لك. ولست أعرف ما هو هذا الشيء. المطلق ينادي المطلق إذن، وما يجاوز الانساني يستدعى نظيرَه، عاشقٌ أنا أعرف مَنْ أعشق ولا عِلم لي به. أفيض بالعشق إلى ما لا حدود. هكذا أحسه، ماذا أفعل؟ ليس هذا مجرد طاقة محبوسة تفجرت وفرغت، وليست هذه مرحلةً ما منقضية، ولا احتياجا عابرا ومتقلبا، هناك ثبات في هذا الحب يفوق كل مدى، جَيَشَانٌ داهمٌ لقُوى حميمةٍ جداً وعميقةٍ إلى غير ما قرار، وباقيةٍ. مقوم من مقومات الوجود، رابطة لا تنفصم لها اليوم من السطوة والضراوة والتحقق الذي لا يُوصف ما كان لها في أى وقت، وأكثر، وأكثر..
لا، لست متواضعاً أبدا، ولا واقعيا باثنين مليم، ولا عاقلاً في الحقيقة ولا شيئا من هذا القبيل. وليس هذا أيضا وهماً من أوهامي عن نفسي، أتوهم كثير أنه ليس عندي أوهام عن نفسي.
هل هى صدفة خاطئة في المكان والزمان؟ ما يسمى بالمقادير؟
أم على العكس تماماً، هو حتم محتوم؟
ولست أعرف ما إذا كان ذلك كله يصنع معنى. أثق أنكِ بحدْسٍ ما، فيكِ، على الرغم من حواجز الكلمات التي لا اجتياز لها، تعرفين ما أعني.
زهرة الصبّار الحمراء، يانعة، وحيدة في وسط امتداد رمال الصحراء البيضاء الشاسعة. تُزهرين يوماً واحداً وتبقين بلا انتهاء.
وشوقي إليك أعنف جذوةً الآن من أى وقت مضى. عاتٍ وطغيانهُ لاينتهي، ليس له بَرُّ.
اليأس أيضا قاتم لا يُحُول.
لن أتعلم أبدا كيف أكون واقعيا.
أُقبّلك على عينيك اللتين تروعانني، وأنت تُفيضينهما من أجلى، وعلى خدّك الرخيم، على شفتيك المليئتين بماء حياتي. ولا تنتهي قبلتي.
هل هذه النجوى الطويلة مملة عندك، وغير مهمة، وليست صحيحة؟ أم هى مسلية وشائقة؟ أتخالف قاعدة من قواعد السلامة الخلقية، أو السواء النفسى، أو معايير ما ينبغي ومالا ينبغي؟ أهى شىء مَرَضى وغريب قليلاً وليس من الأصول في شيء؟ وهل هناك بيننا لعبة، في النهاية، لها أصول وقواعد؟ أنا أقول لا، لا. أقول هذا أنا، كلّي، في الميزان. ودائما كفتي رجوحة، ودائماً لا أعرف، ولا أهتم، بقراءة الميزان.
في غمراته التي تعلو به وتميد، كان دائماً يريد أن يعرف كيف تتلقى -هي- هذه الهجمات العاطفية؟ كيف يمكن أن ترى هذه الاقتحامات؟ قالت له مرة إنه حتى الشيخ التفزاوي يرى أنه في العشق من الضروري حُسْن الأدب. كيف يقول لها إن العشاق القدامي كانوا يسيئون أدبهم في حضرة الهوى بل كانوا لا يعرفون ما سوء الأدب، وإنه اذا صحّت المحبةُ سقطتْ شروطُ الأدب، كما يقول شيخُه الذي يحبه.
أم لعلها تفكر أن هذا كله شئ لا يتعلق بها..، على أى حال؟ كم قالت له هذا، مرارا، أهو صحيح؟ لا يمكن! هل هى تفكر، ربما، أن ذلك كله إنما هو من خصائص هذا الرجل، سواء كانت هي هي .. موجودة أم غير موجودة؟ لذلك فهي، ببساطة، تُنحّي ذلك كله عن نفسها، وتنفيه، ولا ترى له اعتبارا. كيف يمكن لها أن تُقابل هذا الحب باستغراب، ثم بالإلغاء؟
قالت له: لا أدري. حتى لو لم أكن موجودة، فأنت مليءٌ بالحب. أنت مخلوق لهذا النوع من الحب والألم. لي أو لغيري سواء.
فشرح لها طويلاً أن هذا من خطَل الرأي، ولم تجب، ولم تقنع.
من الفصل الثالث: #شمس_العيون_الدفينة، من رواية #الزمن_الآخر من إبداع #إدوار_الخراط
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق