الأربعاء، 21 ديسمبر 2022

سبب الإخفاق هو الكفر

 يرى أشرافُ قومه أنه وحداني المزاج، شاذ السلوك، موهوب، لا شك في ذلك، لكنه مرهف الإحساس، قاسي العبارة، محدود الخبرة. يتيم، فيعوض عن أبيه المفقود بجدّ روحي بعيد. أمّي لا يكاد يقرأ أو يكتب، فيدعو للاقتداء به سادةً محنكين. 


هذا ما يقوله في مجالسهم أسيادُ مكة. هم راضون على حالهم، معتزّون بإنجازاتهم، غير ميّالين إلى محاسبة الذات. فلا يفهمون ما يدعوهم إليه من التأمل في عجائب الخلق. هذا الكلام المكرر عن الآيات والإشارات والدلائل، هذا الافتتان بنظام الطبيعة وتناسق مناظرها، هذا الاندهاش أمام أسرار الكون، كل ذلك يبدو لهم من لغو الصبيان والعجائز. 


يجهد النبي لإقناع هؤلاء "العقلاء" أن للكون خالقا ظنا منه أنهم عندها يُلزمون بقبول فكرة الحساب. إن كان الله هو الخالق والمخلوق هو الإنسان. فللأول دينٌ على الثاني. إن كفر المخلوق فلا بد للخالق أن يحاسبه على كفره، إن لم نقل يعاقبه أو ينتقم منه. غير أن القوم ينكرون وبعناد فكرة الحساب. وعندها يرفضون، وإن على مضض، فكرة الخلق. المانع لديهم هو الحساب لا الخلق.

..

فتى يلاحظ ما لا يلاحظه غيره. يؤثر في وجدانه تأثيرا يقلقه، يذهله، يؤرقه ما لا يلفت أنظار ذويه ولا يحرّك منهم ساكناً وهم العقلاء الفضلاء أصحاب همّة ومروءة. ماذا يعني الأمر إن لم يعنِ أنّ الفتى يجتاز تجربة فريدة، غير عادية بين أبناء جلدته.

ذات يوم يرتفع بغتةً الستار ويرى الفتى، لا فيما يرى النائم، بل يرى يقظةً رؤية العين ما هو محدق بالإنسان المتكبّر المغرور، الساهي العقوق، يرى السماء تتهاوى، والأرض تهتزّ والبحر يفور والجبال تتسابق. وليس ذلك كابوساً يتخيّله بل هو خبر على حادث قريب، عن قضاء لا مفرّ منه.

ورغم أن الحكم متوقع منذ القدم، إذ لكل جريمة عقاب ولكل تحدّ حدّ، رغم أن الساعة غاشية، تكاد تقرع الأسماع، فإنّ الجمّ الغفير لا يزال لاهيا غافلا، حتى الذين يقرأون الكتاب ويحذّرون به غيرهم منذ عقود. إنهم يقرأون كما لو كان لغواً عابثاً. صدّهم عن الذكر المال أو اللذة أو السلطة أو النفوذ.

النبي وحده يرى. هل كان حظّه أنه لم يشارك في هذا اللهو إذ كان مسكينا يتيما مهجورا؟ هل كان الحرمانُ سبيله إلى الحق؟
والحق هو أن أصل كل شرّ وكل هفوة النسيان، التنكّر لوعد سابق، قطعه الإنسان على نفسه وبه تأسّس الزمن.

سبب الإخفاق هو الكفر. 


#عبد_الله_العروي #السنة_والإصلاح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة الرحلة - عبد الرحيم منصور

بسافر بسافر... بهاجر بهاجر  إمتى حاتلقى المحطة وترسى يا حاير؟  مُرّ السؤال ع اللى مالوش عالسكة آخر  من مصغري لمكبري مسافر  بأغوى مشاوير الهو...