السبت، 18 نوفمبر 2023

مغامرة الذبح

 قال: ليتني أستطيع أن أحسم، أن يتحد وجهي وقناعي، أن أعرف كيف أتخلّى. أن يكون لي عمل، وموقف، وإرادة - أيا كان ترتيبها الزمني - هأنذا دخان معلق في الهواء. لا أتخلّى ولا أنضوي، لا أستطيع، ولا أريد. 

أحبك.. دون تورط نهائي، ولا رميٍ للنفس في اليم.. حتى وإن كنت لا أعرف السباحة، أظل أحبك دون وفاءٍ لهذا الحب ودون تخلٍّ عنه.

هل أستطيع أن أتخلّى؟

لن يكون ذلك تخليا، ربما، بل لعله عقابٌ للنفس، أو لعله على الطرف الآخر قربان للنفس. فإذا كان عقابا للنفس فلعله أذى ضروري يكفر به عما سلف أن اقترفه من جرائم. هي نفسها تدخل في سياق - أو نسق - واحد، نسق البخل بالنفس عن تضحية الحب المستمرة الهادئة الصموت المثابرة. 

كأنما ينكر على نفسه حق السعادة، وحق الإسعاد.
ألأنه غير جدير بأي من هذين الحقين، وهما - طبعا - لا ينفصلان؟
الجرائم السائغة هي جرائم الصمت والأثرة، سابقة ومستمرة.
قال من غير صبيانية: لكنها هي أيضا تخلّت عني..
قال: كأن في ذلك عذرا أو تبريرا. طبعا ليس فيه أدنى مسوّغ.

رفضتْ. قالت له: اعمل معروف. لا تصنع أي شيء أحمق.. كفاني ما أنا فيه، لا تندفع نحو أي شيء. أنت لك حياتك وعملك والسياق المألوف المستقر الذي تعيش فيه. لست أنا عندك إلا عابرة. لا أقول نزوة، بل بالتأكيد شيء عابر، سوف يمر، مهما تصورت في ّ خلود المقام.

هل قالت ذلك بالفعل؟

قال: هل رفضتني - كما قال نور الدين - لأنني لا أملك من حطام الدنيا شيئا، بالفعل؟ ولا شيئ يغريها فيّ؟ أليس هذا إغراقا في تصوّرها نُهَزَة، و"طبيعية" بمعنى من المعاني.

أم رفضتني لأنها تعرف في عمقٍ ما فيها أنني أريدها أن ترفضني - مهما كان تصوّري العكس؟

أو لأنها برفضها، تظل من خلالي جميلة أبداً، محبوبةً أبداً، مرغوبةً أبدااً؟

أليس هذا ما حدث بالفعل.

قال: وعلى مستوى آخر لأنها تعرف أنه أيضاً، في عمقٍ منه، لن يقبل، أو سوف يهلك. حتى لو تقدم لها برأسه على صينية متوهجة بالحب، رأس يوحنا المعمدان لسالومي. لم ترقص هي رقصة سالومي. أو لم تتم رقصتها.

ولأنها لم تستطع قط - هي أيضاً، أو هي أساساً - أن ترمي بنفسها في هذا المغامرة، حتى النهاية.


كان يعرف في عمقٍ ما، في داخله، أنها سترفضه، سترفضه التزاماً نهائياً، سترفضه ارتباطاً معلناً لا حلّ منه، بل قد رفضته.

قالت له: إياك أن تفعل شيئا مجنونا. كفاني ما أنا فيه. 

أما هو فقد كانت مغامرته هي الذبح. ووقف في لحظة ما، أمام المذبح.

هل كان إبراهيم يعرف أن الله لن يتركه أبداً يذبح إسحاق؟

لكن إبراهيم قد ذبحه بالفعل، سواء حزّت السكين عنق ولده أم لم تمسه، سواء كان ذلك لأنه عارف أم غير عارف. لأنه رضي بأن يذبحه. لأنه وقف به أمام المذبح، ومدّ يده بالسكين، ورفعها.

ماذا كان سيحدث لو أن الله ترك إبراهيم يذبح إسحاق، بالفعل؟

عندئذ كان العالم كله يسقط.

على حد هذه السكين الحادة المشحوذة أوجَد، وتوجد هي، ويوجد العالم، إلى الأبد، دون حَل، دون ذبح، دون دم مراق، ولكن كل دماء القلب استبيحت، وتستباح، كل يوم، على حد هذه السكين، لا يجف تدفقها أبدا، ولا لحظة واحدة، الجرح مفتوح بلا انتهاء إلى نهاية الزمان، لا يبرأ ولا يلتئم. لا يعود القلب كما كان، بدون هذا الشق العميق الذي لا ينسدّ أبدا، أبدا. أحقا كانت هذه الروح سليمة كاملة من غير شق في أي يوم من الأيام؟ 

عنقه - أبدا - ممدود على النطع، تحزه السكين، لا تقطعه ولا ترتفع عنه. 

#إدوار_الخراط 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة الرحلة - عبد الرحيم منصور

بسافر بسافر... بهاجر بهاجر  إمتى حاتلقى المحطة وترسى يا حاير؟  مُرّ السؤال ع اللى مالوش عالسكة آخر  من مصغري لمكبري مسافر  بأغوى مشاوير الهو...