(1)
الست في الشرفة ترنو إلى أسفل، من وراء الخصاص بعينين ملؤهما اليقظة والحنان. الصبي يلعب أسفل البيت ويغني. وبين الحين والحين يمضى إلى حارة من الحارات التي تصب في جوانب الميدان، آتية من أنحاء المدينة المترامية. وعند المغيب ينتزع الصبي نفسه من دنيا اللعب والسياحة ويدخل البيت.
ولم يدم الحال على ذلك طويلاً.
خلت الشرفة من الحنان.
وأدخل الصبي داخل حارة فلم يرجع.
(2)
سارت في ظل أمها، وكان هو يلعب في الطريق. أسعد ما يُسعد أمها ضفيرتها الفوّاحة بشذا القرنفل. أمّا هو فكان يعلب الحجلة. توقف قليلاً ريثما تمر الأم وابنتها الصغيرة. نظرت إليه نظرةً غامضة، فامتلأ بالخيلاء، وانطلق يعدو ليشهد الجميعُ على قوته وسرعته.
ودَعت الأم بالخير لكل مخلوق وهمست: أخاف عليها من النظرة، وأخاف عليه من الجري. فأشملهما بالرعاية يا رب.
وكان ثمّة رجل جالس في ركن ممن يقرءون الخواطر، فقال لها وكأنما لا يعنيها بالذات: فلْتنظر إليه ما طاب لها النظر، ولْيجرِ هو حتى تخور قواه فيخمد.
#نجيب_محفوظ #أصداء_السيرة_الذاتية